هشاشة النخبة السياسية.. في مواجهة الإنقلاب

في الحروب تتجلى الحقائق الباطنية للشعوب تلك التي تكون مدفونة في أعماقه ومتراكمة منذ زمن طويل، ففي ظل الدولة الرخوة تظل مشاكل المجتمع تعوم أسفل سطح مستقر بطريقة خادعة، وحين ينهار هذا السطح، تتكشف الاعتلالات الداخلية للمجتمع، ليس المجتمع وحده بل والنخب الحاكمة والفاعلة في الميدان وعلى كل المستويات.

وأما تلك المشاكل المجتمعية المعقدة التي تطفو على السطح حين تحتدم الحروب، فهي مجرد انعكاس لفشل النخب الحاكمة في تأسيس نظام يحل التناقضات الداخلية للمجتمع، وما الحروب سوى نتيجة لهذا الفشل، وعليه إذا ما كانت أولى كوارث الحرب هي تعطيل السياسة وكشف عوار النخب السياسية، بالمقابل يظل تعطل السياسة هو عرض مرضي من أعراض الحياة السياسية الهشة والأداء المرتبك.

إن أكثر تجليات الحروب الكاشفة تلك النقطة المتعلقة بتفكك النخبة السياسية المساندة للشرعية مقابل الصورة المتماسكة لجماعة الإنقلاب الحوثية. في الخيال الشعبي تبدو هذه الحالة مثيرة للحيرة وباعثة للغرابة، ومنها تبرز أسئلة دائمة ومتكررة: كيف تمكنت جماعة مسلحة صغيرة من تجريف المجتمع وتقويض الدولة بتلك الصورة الصادمة، كيف تلاشت النخب السياسية في لمحة بصر..؟ أين ذهبت نتائج عقود من العمل السياسي والمدني في بلادنا، ولماذا فشلت النخب المدنية والسياسية في مدافعة جماعة مليشاوية طيلة خمس سنوات، وأخيرًا، لماذا تبدو النخب السياسية ممزقة ومتصادمة بينما تبدو الجماعة الحوثية الإنقلابية أكثر صلابة منهم وتماسكًا..؟

تعدد الرؤى.. والثراء المهدور

من حيث المبدأ يمكن القول إنه من الطبيعي بل ومن الجيد أن تكون النخب السياسية ذات طابع تعددي يثري العملية السياسية في أي بلد، فهذه الصفات إحدى أهم الملامح التي تمتاز بها النخب في أي بلد ديمقراطي، ذلك أن في تعددها وتباين رؤاها ثراء ينعكس على واقع البلد، ويعكس خصوبة التوجهات التنافسية في الأوساط الشعبية، وهو أمر طبيعي حالما تمكن المتنافسون من تحويل تصوراتهم المتعددة إلى برامج عملية لخدمة الشعب وتلطعاته.

لكن المعضلة تبرز في اللحظات الاستثنائية من تأريخ الشعوب، فهذه اللحظات تحتاج لتجاوز مؤقت لمنطق الصراع التنافسي وتركيز أكبر على المشتركات الوطنية، حيث البلاد في حالة اختطاف كامل وعليه فلا معنى لأي تنافس حول سلطة غير موجودة أصلًا، وما لم تدرك النخب هذه الفكرة المبدئية وتصب كل جهدها على تحرير المجتمع والسلطة المختطفة واستعادة فكرة الدولة أولًا وتثبيت ركائزها، فإن أي صراع على السلطة يزيدها هشاشة مقابل تقوية الطرف المنقلب على الدولة وإطالة زمن بقائه، وهذا ما هو حاصل في صراع النخب السياسية المؤيدة للشرعية على فتات سلطة غير موجودة في لحظة معركتها مع معسكر الإنقلاب الحوثي.

في هذه اللحظة، بدلا من أن يكون تعدد النخب السياسية نوعاً من الثراء داخل صف الشرعية تحول لانقسام مستنزِف لهم وحالة استقطاب مفتوح داخل الصف المدني، وهو ما أسهم في خلخلة التيار الحامل للمشروع الوطني، وكنتيجة طبيعية استتبعه ضعف في الأداء وشتات في الرؤية وتضارب في المواقف الكبرى، ثم في النهاية تكون المحصلة إرتباكاً عاماً يصب في صالح الطرف المناهض للمشروع الوطني أي تلك الجماعة المسلحة والحاملة لمشروع عصبوي مدمر، كجماعة الحوثي مثالا لهذه الحالة.

هكذا تجلت هشاشة النخب السياسية وأضحى التعدد السياسي عامل قوة مهدور، وإهداره ليس لسبب في ذاته ؛ بل يأتي الهدر كنتيجة لفشل الكيانات المتعددة في إدارة هذا التعدد واستشعار الحالة الحرجة التي تمر بها البلاد وتحشيد الجهود لتفويت الفرصة على جماعة الإنقلاب، والحقيقة أن صراع النخب السياسية فيما بينها لم يتجل مع حدوث الإنقلاب فحسب والمرحلة التي تلته حتى اللحظة، فبداياته تجلت في المرحلة الإنتقالية حين شاهدنا القوى الثورية تتصارع على السلطة قبل أن تتمكن من انتزاعها بشكل حقيقي من النظام السابق وهو ما مكّن جماعة الحوثيين وحليفها من ترتيب أمورهم والانقضاض على الجميع، والحال ذاته استمر لاحقًا؛ فبدلا من أن تستيقظ النخب بعد سقوط فأس الإنقلاب عليها، ذهبت لتقاوم الإنقلاب بنفس العقلية وبنفس الحساسيات الصغيرة والتوجسات تجاه بعضهم البعض وهو الأمر الذي أطال زمن الحرب ومنح الإنقلاب عمرا مديدا ومضاعفًا.

تماسك جماعة الإنقلاب

بكل الأحوال إذا ما حاولنا وضع صورة النخب السياسية المؤيدة للشرعية مقابل جماعة الانقلاب الحوثي، سنجد أن التيار الديمقراطي المدني المتعدد والمؤيد للشرعية يتجلى في حالة تمزق مقابل صورة الجماعة المتماسكة ولو على المستوى الشكلي والمؤقت.

صحيح أن حالة الجماعة الحوثية الإنقلابية تبدو أقرب للحالة الشمولية ذات الطابع الأحادي واللون الواحد والخطاب الموحد الذي يعكس فقرها الوطني ويعزز صورتها البدائية كجماعة تنتمي لزمن ما قبل التعددية؛ لكن حالتها هذه، بقدر ما هي عامل ضعف في الوضع الطبيعي إلا أنها تنعكس لتكون عامل قوة في الأزمنة الحرجة التي تتطلب موقفاً ثابتاً وخطاباً متجانساً وجبهة صلبة تعزز حضورها وصورتها اللحظية وتمكنها من الصمود أكثر، وهو ما استطاعت جماعة الحوثيين تحقيقة سواء بذكاء واع أو كنتاج طبيعي لحالتها الأيديولوجية العنيفة والصلبة بمقابل رخاوة النخب السياسية وصراعها العبثي على طواحين الهواء.

لا شك أن الحالة المؤسفة التي تطبع النخبة السياسية لها أسباب ذاتية وموضوعية كثيرة، يصعب استيفاء شرحها هنا، لكن تظل صفة الانتهازية المقرفة التي أبدتها كثير من فصائل النخب السياسية هي أبرز الدوافع والأسباب التي خلقت هذه الحالة المترهلة من الأداء، فطوال السنوات المنصرمة رأت النخب أن الوضع ملاءم جدًا لتحقيق استثمارات في هذا الظرف المضطرب، وحصاد امتيازات خاصة وسريعة وأكبر مما تستحق، وبدلا من النظر من منطلق المصلحة الوطنية الجامعة وتركيز الجهد لانقاذ البلاد، إذا بها تذهب للمتاجرة بمواقفها هنا وهناك ومراكمة مكاسبها الذاتية وتركت البلاد فريسة للغلمان، في مشهد باعث للرثاء وكاشفًا لحالة التدهور والانحطاط الذي وصلت له هذه النخب الرثة والفاقدة لأدنى شعور بالمسؤولية وبالوضع الكارثي الذي يعيشه الناس على امتداد البلاد.

الخلاصة: مرة أخرى، ليست الهشاشة التي طبعت النخبة السياسية في البلاد، حالة مستجدة، بل هي صفة متجذرة في بنية هذه النخبة السائلة، لكن الأحداث الأخيرة التي تفجرت منذ بداية الثورة الشبابية، كانت بمثابة عامل كشف أظهر الأعراض المرضية للحياة السياسية اليمنية والطبقة السياسية الفاعلة فيها، وتجلى الأمر في إدارتها للمرحلة الإنتقالية ثم في مقاومتها للإنقلاب، والنتيجة أننا أمام حالة مأساوية تُحتم على النخب السياسية التوقف عندها وعمل مراجعات حقيقية لوضعها وسلوكها وخطابها وإعادة هيكلة بنيتها التنظيمية وتجاوز إرث التفكير الناقم والشخصيات المسكونة بثأراتها السياسية والخصومات العبثية مع رفاق المعركة الواحدة، في لحظة تتعرض فيه البلاد لانهيار شامل ويبدو المستقبل بعيد المنال عنهم جميعا.



* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"




شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->