هل تموت الجمهورية؟

خلال الأيام القليلة الماضية، دار جدل كبير حول فكرة "الجمهورية" ونسبيتها وحقيقة تجسدها، ومدى ثباتها أو تآكلها، وكعادة الجدل حول القضايا النسبية والغير قابلة للحسم القاطع، انقسم الجمهور ما بين محبط يعلن قرب تلاشي الجمهورية وناقد يتحدث عن أن اليمن لم تعرف من الجمهورية سوى شكلها ومدافع يتحدث عن خلودها كفكرة مهما أصاب البلاد من عثرات طاعنة.

بداية من المهم أن نميّز بين الحالة السياسية العائمة في البلاد وصورة التشظي العام في كل مناحي الحياة، وبين الجمهورية كمبدأ تأسيسي جامع يؤطر الكيان السياسي للدولة، بصرف النظر عما يمر به هذا الكيان من ظروف صعبة وواقع حرج.

فالجمهورية هي بمثابة هوية عامة للدولة ورمزية ضابطة لنظامها السياسي حتى لو كان هذا النظام السياسي في حالة هشة أو منقسمة.

كما أن أول مبدأ تنطوي عليه فكرة الجمهورية هو: تحرير الجمهور من السيطرة العلوية عليه من أي جهة كانت وانتصاب الشعب "الجمهور" كمرجعية حاكمة تقرر مصيرها بنفسها وتحوز الحق المطلق في المشاركة بالسلطة وصناعة السياسية وامتلاك أدوات الحكم والإنتاج، وبشكل عام يقتضي النظام الجمهوري تحرير الناس أولا ثم منحهم الحق في صناعة شروط حياتهم ثانياً، وهذا هو الهدف نفسه الذي يناضل من أجله الشعب اليمني اليوم وهو معيار للحكم على مدى حضور الجمهورية من عدمه سلماً أو حرباً.

وبالعودة للخلف قليلاً، وتحديداً، حين أعلن ثوار سبتمبر قيام الجمهورية، لم يكن ذلك يعني أنهم تمكنوا منذ البداية من تجسيد الجمهورية كحالة ناجزة، هم فقط أعلنوها كهوية عامة تحدد طبيعة النظام السياسي الذي سينظم حركتهم وسياساتهم، ما يعني هنا التأكيد على أن الجمهورية في جوهرها فكرة مفتوحة، ولدت كحالة جنينية وظلت تمر بصيرورة متذبذبة؛ لكنها في كل الأحوال لم تعد قابلة للتلاشى بسهولة وبصورة نهائية مهما تعرضت الدولة للإنهيار.

فالدولة ككيان مؤسسي يمكن أن تتناهشها أطراف كثيرة ويتصارعون على السلطة فيها قوى متعددة، لكن الجمهورية كهوية جامعة للنظام والشعب تظل قيمة متجاوزة ولا يمكن الغاءها، حتى من قبل الأطراف التي لا تؤمن بها، أي أن الجمهورية مبدئياً، تظل ثابتاً قيمياً عصي على الشطب الكلي مهما تعرضت الدولة لتجريف داخلي إلا أن الجمهورية تبقى القيمة الحضارية الوحيدة والقادرة على تذويب كل الهويات الصغيرة بما تحمله من خصائص قيمية عامة وجامعة وبمدى رسوخها في الذهن الجمعي للأمة اليمنية بتيارها الواسع وغالبيتها العظمى.

من هذا المنطلق يبدو الحديث عن زوال الجمهورية تجاوز لجوهر المفهوم واستنتاج نظري مبكر وخلاصة متأثرة بالواقع السياسي السائل أكثر من كونها تشخيص معرفي دقيق لما تمر به الجمهورية من أخطار، فالجمهورية بكل الأخطار الوجودية التي تتعرض لها اليوم لكنها تظل فكرة حاضرة سواء كانت البلاد في حالة سلم أو حرب، نهوض ووحدة أو جمود وتراجع وتشظي، دون أن يعني ذلك أن خصومها غير قادرين على دفنها طويلا، فالأمر معقود بعمل أنصارها وتعزير تلاحمهم لتعجيل خلاصها.

كما أن مفهوم الجمهورية نفسه، كما يقول المفكر السوري_ ياسين الحاج صالح _لا يُحيل إلى جمهور واحد متماثل بالضرورة، بل هو في جوهره يرمز لحالة تعددية نشطة سياسياً، ومهما تحول هذا التعدد السياسي لحالة من الإنقسام الهوياتي وأصبحت الجغرافيا اليمنية أشبه بكنتونات سياسية وهويات متصارعة وسلطات متعددة على الأرض، وهذا بالطبع واقع مأساوي يعرض الجمهورية لكساح دائم؛ لكنه في كل الأحوال لا يقوضها كليا كرمزية خالدة بالمفهوم النسبي للزمن.

من زاوية أخرى، تكون الجمهورية هي الفكرة الوحيدة التي توفر مشروعية نضالية متفوقة أخلاقيا على خصومها كما تمنح القوى المدنية التحرّرية والمشتّتة في البلاد اليوم، تمنحهم أرضية مشتركة لاستعادة زمام المبادرة وتوحيد صفوفهم في مواجهة النقيض التأريخي للجمهورية متمثلا في المشروع الإمامي.

فمبدأ الجمهورية يكتنز على طاقة تحرّرية ملهمة هي الأقرب إلى المحرّكات القيمية والمؤسّسة للثورة اليمنية الأولى سبتمبر، وهي ما يمكن أن تسهم في تشكل روح ثورية جديدة، على مستوى النضال المسلح ضد المشروع الإمامي، وعلى مستوى التنظيم والعمل السياسي كذلك.

حسنًا، نحن اليوم، وبعد مشوار يقترب من سبعة عقود منذ قيام الجمهورية، نحتاج إلى إعادة تفعيل هذا المفهوم الكبير لا أن نسهم في تمييعه والتبشير بتلاشيه، فطوال الزمن المنصرم، ظلت فكرة الجمهورية خاملة ودونما فاعلية واقعية تتناسب مع ما تنطوي عليه الفكرة الجمهورية من ممكنات للتحرر والنهوض.

حيث لم يشتغل المثقفين بما فيه الكفاية لتأثيث الفكر الجمهوري واستثمار المدلولات القيمية له وتحويلها لإطار ناظم للمجتمع والسياسة، واكتفوا بالشكوى والنواح من أن النظام أفرغ الجمهورية من محتواها، ولاحقًا تكفلت السلالة الحوثية بمواصلة نفس المهمة، وكما كان مثقفي الأمس يصرخون، ها نحن اليوم، أمام نواح مماثل، حيث يخرج فيه علينا مثقفون ليذيعون باكرًا نبأ "موت الجمهورية" الوشيك قائلين، إن جمهوريتكم مجرد فكرة نسبية وحديثكم عن الشعب الجمهوري هو حديث أقرب للإستيهام الذهني وأن الهزيمة الشاملة لشعبكم وجمهوريتكم أقرب إليكم من نصرها المأمول.

هذا السلوك الإذعاني، يعتبر نوع من النكوص عن الدور التأريخي للمثقف، وهو بحد ذاته مأساة موازية لشعب هو في أمس الحاجة لنخبة تقف جواره وتضفي على نضاله معنى وقيمة، بدلاً من سلبه آخر يقيناته التي يتمسك بها ويخوض الحرب دفاعاً عنها، أملا باسترداد مصيره وحماية مكتسباته الحضارية الكبرى وفي مقدمتهم مكسب "الجمهورية"

هذا ما يحتاجه المجتمع اليمني في اللحظة الراهنة، وما تحتاجه الجمهورية المهشمة من أبنائها وتحديداً مثقفيها، بدلا من خروجهم لتهشيم المهشم وتبشيرنا بإمكانية زواله، وكأن مهمتهم تقتصر على إذاعة الأنباء وليس لهم دور في صياغة التأريخ وتأسيس الدول والمجتمعات.

أخيراً: مبدأ الجمهورية يوفر لنا أرضية صلبة للكفاح ضد كل المشاريع الصغيرة ومن الجنون تمييع هذا المفهوم الكبير بدعوى نسبيته، أو تحت مبرر العطالة السياسية أو الشتات المجتمعي الذي نعيشه أو تفسخ مفهوم الحرب وركودها، فكل هده التشظيات اللحظية ليست مبرراً منطقياً لإعلان وفاة الجمهورية أو التنظير بأنها فكرة غير حتمية، فمن قال أنه من اللازم أن تكون حتمية لندافع عنها أو نتمسك بها، فكل أنظمة الحكم وكل الصيغ النظرية المتعلقة بالدول وطرائق حكمها والسياسة وتنويعاتها هي أمور نسبية ونسبيتها لا تلغي أهميتها ولا تبرر التفريط بها أو التهوين من شأنها.

بل إن هذه الفكرة النسبية، وفي هذا الظرف، يتوجب أن نعزز حتميتها أكثر، ونحتاج لتجذير مفهومها في الوعي العام، فنحن نعيش حالة من الصراع التأريخي بين شعب يتطلع لحياة حرة وكريمة مثل كل شعوب العالم وجماعات سلالية وطائفية ومناطقية ترغب بتقاسمه واحتكار تمثيله ومحاولة صياغته وفقا لهوياتها الصغيرة والمتناثرة وهو ما يجعل من التمسك بـ"فكرة الجمهورية" حاجة قومية مهمة بل وشرط تعبوي مركزي؛ لمقاومة كل المشاريع المضادة وتذويبها داخل هذا الإطار الكبير.

فالتمسك بالجمهورية في هذا الظرف الراهن ليس ترفاً، بل العكس هو ما قد يبدو ترف نظري لا جدوى منه، فنقاش عدم حتمية الجمهورية، يصب بطريقة غير مباشرة في صالح أعداءها التأريخيين، ما يجعلنا لسنا بحاجة لنقاش معرفي كهذا على الأقل الآن، فهناك شعب عالق في الجحيم والجمهورية_كفكرة_ هي الأساس النظري المتماسك والمؤهل لإنقاذنا، وإعادة تأسيس الدولة الجمهورية وإخراجها من الطريق المسدود الذي أوصلها إليه: النظام السابق، والفاشية الحوثية السلالية، والتيار المناطقي وكل التشكيلات المتفرقة داخل البلد، الناعمة منها والخشنة .

الشعب الجمهوري خالد، وهو صانع الجمهورية من العدم، والجمهورية تمرض لكنها لا تموت.

* مقال خاص بالمصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->