هل صارت صنعاء فارسية؟!

"لا سبيل إلى صنعاء أو بغداد، فقد وقعت العاصمتان في المجال الحيوي الإيراني وانتهى هذا الفصل من التاريخ عند هذا الحد. صنعاء فارسية، ولن تكون غير ذلك في العقود القادمة ما لم تحدث مصادفات ذات طبيعة كوكبية...".

السطور أعلاه مقتبسة من مقالة كتبها الدكتور مروان الغفوري بالأمس، وهو مثقف يمني كبير، يقيم في الخارج.. في سياق مقالته، قال الغفوري: إن صنعاء صارت فارسية وستظل كذلك لعقود قادمة، وأن على السعودية إدراك هذه الحقيقة الجديدة والتعامل معها كواقع يتوجب الإقرار به والتصرف على أساسه، قبل أن تضيق خياراتها أكثر وتخرج اليمن كليًّا عن نفوذها، وبمعنى أدق تصير نسخة مماثلة لبغداد، حيث السعودية هناك خارج اللعبة بالكامل.

اللغة التي تحدث بها مروان، أقرب للحتميات السياسية الصادمة، على أن المشكلة هنا ليست اللغة اليقينية التي كتب بها الرجل، أو الخلاصة الصادمة التي استنتجها وهي خلاصة غير دقيقة، بل تمكن المشكلة في الطبيعة التعسفية للمنطق الذي أراد فرضه على واقع مختلف، حيث المقارنة بين بغداد وصنعاء قياس يتجاوز الفارق أو يكاد يلغيه في الخلاصة التعميمية للمقاربة.

فصنعاء لا تتماثل مع بغداد في واقعها الإجتماعي وحتى لو تماثلت في واقع السلطات الحاكمة في المدينتين وولائهما السياسي إلا أنهما اجتماعيًّا مختلفتان بشكل مهول، ففي حين يكاد يكون مجتمع بغداد متماهيّا بنسبة كبيرة مع مشروع طهران، يحتفظ مجتمع صنعاء بحالة ممانعة داخلية صامتة، يدركها من يعايش المجتمع من الداخل، ولا يغشى بصره الصورة التي يصدرها الحوثي عن المدينة بسبب احتكاره الفضاء الإعلامي والسياسي بالكامل وتسويق صورة مجتزأة عن واقع المجتمع في صنعاء وتعميمها في مناسبات كثيرة، يتمكن فيها من حشد المجتمع بطريقة أو بأخرى.

هذه المفارقة وحدها تجعل فرضية وقوع صنعاء سلطة ومجتمعاً في المجال الحيوي الإيراني كليًّا كما هو حال بغداد، أمر غير منطقي ويفتقد للدقة، ناهيك عن أن التسليم بها أمر يسهم في تزييف الواقع الإجتماعي للمدينة الواقعة تحت سيطرة الحوثي ويقدم خدمة مجانية له تتمثل في تهيئة الوجدان الشعبي في الداخل للتسليم الكلي للحوثي والتخلي عن أي أمل بإزاحته وإنهاء سطوته القسرية على المجتمع.

إن طول زمن سيطرة الحوثي على صنعاء، وتمكنه من فرض حالة من الاستقرار الهش فيها، مقابل عجز الطرف الأخر على تضييق الخناق عليه وتعثره في مواصلة المعركة ضده، لا تعني أن سيطرة الحوثي صارت حقيقة تأريخية نهائية يتوجب التعامل معها واستبعاد أي محاولة لكسرها وخلق واقع جديد يمثل الإرادة الشعبية وينهي الواقع المختل الذي يرغب الحوثي في استدامته.

فالسيطرة العسكرية هنا تظل سيطرة فوقية ولا تعكس حقيقة اجتماعية أو تأريخية كما صورها منطق الغفوري في مقالته، بقدر ما تظل حالة شاذة يمكن تجاوزها بقليل من الجهد والإرادة السياسية الحاسمة وترتيب ارتباكات السلطة الشرعية والكتلة الجمهورية المناوئة للحوثي. فمدفعية الجمهورية اليمنية لولا غياب الإرادة يمكنها قصف قصور الحوثي في قلب صنعاء، وهي مدفعية بالطبع لا تتواجد مثيلتها على مشارف بغداد، والكتلة الجمهورية العروبية كبيرة وشاسعة ولا تتوفر نظيرتها في بغداد.. هذا مثال فقط ينقض حتمية "فارس".

كما أن الحوثي وإن كان يشتغل بمهنجية دؤوبة لترسيخ سلطته كواقع لا يمكن تجاوزه والتغلغل داخل المجتمع وإجراء تغييرات جوهرية لإحكام قبصته على الأجيال - وهذا شغل مخيف بالطبع - إلا أنه بالمقابل لا يتصرف كسلطة سياسية ذات مسؤولية أخلاقية وإلتزامات خدمية تجاه المجتمع، لجانب أن مجتمع صنعاء وجزء كبير من القطاع الجغرافي الواقع تحت سيطرته، ينظر للحوثي ومشروعه كحالة غرائبية مؤقته ويرفض التكيف معها أو الاقتناع بها وهذا ما يقلص من إمكانية الحوثي الواقعية في استملاك المجتمع، ويضاعف من سخط الناس الصامت ضده، حتى مع طول زمن سيطرته.

ما يعني أن الحوثي لم يتحول بعد لحالة تأريخية وسياسية راسخة وبأن السيطرة العسكرية على المجتمع لا تعكس حقيقة نهائية، إذ ما تزال الفرصة ممكنة وبصورة كبيرة جدا لتقويض سلطته وإزالة الغمة التأريخية التي وقعت على المجتمع، ليس مجتمع الداخل فحسب بل ومناضليه المنفيين في الخارج. فالغمة التي وقعت على الجميع لا تشبه بأي حال غمة طهران التي قارنها مروان بصنعاء، قائلًا:
"لا يزال إيرانيون يقيمون في أوروبا منذ 1979 ينتظرون انكشاف الغمة ليتمكنوا من العودة إلى بلدانهم، إلا أن الغمة في طهران قد تمكنت من كل شيء، وصارت نظام حكم شامل قابل للبقاء لعقود كثيرة. وتلك هي الحقيقة الخارجة من صنعاء." ويا لها من مقارنة مرتجلة معقودة بخفة صادمة، حيث تزداد الصورة بؤسًا حين تجد مثقفًا في الخارج نفذ صبره وتوصل بسرعة لهذه المقارنة المبكرة، والمغلفة بمنطق حتميّ، لا يمثل مكاشفة ثقيلة بقدر ما يعكس حالة تفسيرية مؤطرة بروح أقرب للإذعان منه للمصارحة الشجاعة والمؤلمة.

ما من شك أن مروان كاتب حرّ، جمهوري حتى النخاع، لا يقبل المخاتلة أو التسويات التأريخية المرقعة؛ لكنه في مقاله هذا، كتب تحت مزاج اللحظة المحبطة والمتأثرة بالبهرجة الإيرانية، لجانب أنه مهد لمقاله بمنطق سياسي هزلي يناقض مثالية الرجل ورؤيته الحاسمة في رفض أنصاف الحلول المهجّنة.. حيث رؤية أوباما صارت محدداً سياسياً يصح لمقاربة قضية الشرق الأوسط المتزعزع، وعليه فلا حل لخلق حالة استقرار في المنطقة والهروب من الدولة الفاشلة والطوائف المتصادمة والقبلية المدمرة، إلا بتقاسم النفوذ بين طهران والرياض، والبداية من صنعاء.. ما لم فإن "نجد" هي الهدف القادم.. وكأن إيران صارت آلهة أخرى ستبتلع الجميع، أو كأن صنعاء تركة جاهزة للتقاسم بين قطبي: السنة والشيعة، ولا حل يفضي لدولة مستقرة، سوى هذا المنطق العبثي المجرب في دول أخرى، والفاشل عمليًّا، وفي لبنان خير مثال، مع أن صنعاء وكما هي، إجتماعيًّا مغايرة لحالة بغداد، هي سياسيًّا مفارقة لبيروت أيضًا.

أخيرًا: أعلم أن مروان وكما هي وظيفة أي مثقف ليس ملزمًا بغض الطرف عن الواقع المر ومواصلة الترويج لخطاب رومانسي يسوّق الوهم للمجتمع ويحرس آمالهم بإستعادة دولتهم من قبضة الإماميين الجدد؛ لكنه هنا لا يقر بحقيقة مرّة بقدر ما يتجاوز حقائق إجتماعية ويبالغ في استنتاج خلاصة حاسمة تضع صنعاء في سلة "فارس" وتطالب الجميع أن يقر بهذه الحقيقة كما لو أن التأريخ ذا مسرب أحادي قسري واتجاه إجباري ما من سبيل لتطويعه ولا إمكانية لإعادة ضبط مساره وتصحيح انحرافاته التي صارت حقائق يلزمنا التسليم بها والسير بمحاذاتها، حتى تحدث معجزة كونية وتغيٌِر مجرى الحياة.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"



شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->