حكم الطوائف لا يبني وطنا

ربما تلخص الأغنية التي زهج بها أساتذة الجامعة الأميركية في بيروت حالة الانتفاضة التي يعيشها لبنان منذ أسبوعين، وربما تتقاطع إلى حد كبير مع واقع ما يحدث في العراق.

ببساطة تقول الأغنية: "نحن الأمل الجايي... ونحن الحق الساكن فينا... ثورتنا صارت وحدتنا والله رح يحمينا... يا زعماء شكرا شكرا وحدتم كل الناس التعبانين... سرقتوا حرقتوا كيف قدرتوا... مين بدو يرحمكم مين... هيدي الثورة خلقت فكرة من صرخات المحرومين".

بعد سنوات طويلة من الاقصاء والتهميش استطاع الشارع في العراق ولبنان أن ينتفض خارج عباءة الطوائف، وأن يوجه صرخاته ولعناته بشكل مباشر لطبقة سياسية انتفعت من انقساماته، وأدرك الشارعان أن أول أبجديات الحل أن يتخلص ويتحرر من سطوتها وسلطتها.

بين ساحة التحرير في بغداد وساحة الشهداء في بيروت حلم عابر للطائفية، وصوت هادر يحاول أن يستعيد وطنا مسلوبا، وأناسا عرفوا أن بوصلتهم هي وحدتهم ضد الطغاة.

خرج الناس للشوارع رفضا واحتجاجا على انسحاقهم وجوعهم، وهم يعرفون أن زعماءهم الذين حكموهم، وتاجروا بمعاناتهم هم خصومهم، وهم سر أوجاعهم.


سقط المقدس وتمرد الناس على "جمهورية الخوف" وزعماء الطوائف

لا يملك أكثر المنتفضين في الشوارع برنامجا سياسيا بديلا، ولكنهم يشيرون بوضوح إلى المشكلة... يحددون الداء بعد أن كانوا يُستخدمون حطبا في حروب الطوائف.

لأول مرة أسمع منذ سنوات طويلة الدعوات إلى ثورة ديمقراطية حتى اعتقدت أنها سقطت من قاموس العمل السياسي، والأكثر جدوى أنها ثورة ديمقراطية شعبية يشارك بها كل الناس باستثناء الطبقة الحاكمة بأحزابها وميليشياتها.

في بيروت وبغداد يعلمون أن التغيير المطلوب جذري وعميق، وليس استبدال لواجهات، وتدوير للكراسي وتوارث للحكم، وانتخابات تعيد إنتاج نفس النهج بأسماء جديدة، لهذا يصرخون في بيروت "كلن يعني كلن"، وفي بغداد يهتفون "شلع قلع".

لا حصانة لأحد في الانتفاضتين المجيدتين، لا أحد يستطيع أن يختبئ خلف شعارات زائفة كذابة، ولا أحد ستحميه طائفته بعد اليوم.

سقط المقدّس وتمرد الناس على "جمهورية الخوف"، وزعماء الطوائف والأحزاب السياسية مهما كانت شعاراتهم، وسواء لبسوا عمامة، أو وضعوا صليبا، أو رفعوا شعارات قومية أو ماركسية فقد عرتهم وحرقت صورتهم أهازيج المحتجين في الساحات والشوارع.

تتشابه الأوضاع في بيروت وبغداد ولهذا تتشابه المطالب، فكلا البلدين يخضعان لمحاصصة طائفية بشعة، وكلاهما يعاني من فساد مدمر.

والأبرز في المعادلة أن كلاهما امتداد للتدخلات الإقليمية، ومسرحا لحروب الوكالة، واللاعب الأكثر حضورا وتأثيرا إيران.

ولهذا مع مراعاة الخصوصية فإن المطالب تبدو أيضا متشابهة أولها إسقاط الحكومة، ويليها محاكمة الفاسدين، وتحسين الأوضاع المعيشية للناس، وليس انتهاء بإجراء انتخابات برلمانية جديدة على أساس قوانين غير طائفية.

منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 لم يواجه لبنان انتفاضة بهذا الامتداد والتنوع، ففي "ثورة الاستقلال" كما أطلق عليها عام 2005 كان المطلب التخلص من نظام الوصاية السورية، واليوم المطلب التخلص من وصاية وحكم قادة الطوائف جميعهم، ولا أحد يخضع للاستثناء.

الضريبة التي اقترحتها الحكومة على تطبيق "واتساب" كانت الشعرة التي قصمت كل الأوضاع وفجرت غضب الشارع، وصبر الناس نفد من حكومات متعاقبة ترحل الأزمات، ولا تدفع البلاد خطوات للأمام، والحكومات تعلن الاستنفار وتشكو "الطفر" والضيق الاقتصادي، والطبقة السياسية تنعم برخاء وامتيازات لا يعرفه أكثر قادة دول العالم ثراء.

لبنان يعتبر ثالث أكثر دول العالم مديونية بعد اليابان واليونان، وتبلغ نسبة الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي 152 بالمئة، وتلتهم فوائد الديون نصف إيرادات الدولة، وعجز الميزانية تزايد بعد رفع المرتبات.

رغم مرور سنوات طويلة على توقف الحرب الأهلية فما زالت شركة الكهرباء لا تستطيع تلبية احتياجات الناس، وتعتمد البيوت على مولدات خاصة لتوليد الطاقة وهي فاتورة إضافية مكلفة للناس.

غيرت الاحتجاجات في الشارع اللبناني قواعد اللعبة وقواعد الاشتباك، والشعارات التي كانت محرمة أصبحت سائدة تقال دون وجل وخوف.

"انتقل اللبنانيون في ثورتهم من مجموعات طائفية الانتماء، تتشارك العيش في مساحة جغرافية إلى مواطنين موحدين قفزوا عن طوائفهم وزعمائهم وانتماءاتهم الفرعية".

استوقفتني هذه العبارة التي قرأتها وتؤشر لتحولات جذرية في بنية العقل الجمعي، ولهذا كانت الانتفاضة السلمية بفعالياتها وتجلياتها المتنوعة، نموذجا لحالة مدنية يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من عمر الدولة اللبنانية.


في العراق ولبنان يعلمون أن التغيير المطلوب ليس مجرد استبدال الواجهات السياسية

تحالف الحكم القائم ليس من السهل أن يرفع الراية البيضاء، ويتنازل لحكم الشارع، ويتخلى عن مكاسبه، واستقالة رئيس الوزراء سعد الحريري تبدو مطلبا، ولكنها وحدها لا تنتج حلا في نظام سياسي تعيد ماكينته إنتاج نفس النظام القائم، فالمشاورات النيابية لتشكيل الحكومة التي تقودها ذات الأحزاب والشخصيات المسيطرة على البرلمان ربما تعيد تسمية الحريري رئيسا أو مرشحا آخر، لكن قواعد اللعبة السياسة لن تتغير، وهذا ما يعرفه المحتجون بالشارع، وهو ما يريدون تغييره.

"حزب الله" الحاكم الناهي في لبنان يعرف أكثر من غيره أنه أكبر الخاسرين، "فسماحة السيد حسن نصر الله" الذي كان الاقتراب منه خطا أحمر لم يعد كذلك، ومطالباته للمحتجين بالعودة إلى بيوتهم وإلا فإن الحزب سينزل للساحات اعتبرها الناس تهديدا، وتشكيكه بمن يقف خلف الاحتجاجات ومن يمولها أحرق صورته الشعبية، ودفعت الناس لتذكيره بخطاباته التي يعلن بها على "روس السطوح" أن دعم "حزب الله" من الجمهورية الإيرانية.

لم يعد "حزب الله" خطا أحمر في "ثورة تشرين" التي يقودها جيل جديد، وبالتأكيد فإن التيار الوطني الحر الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشيل عون ويقوده صهره وزير الخارجية جبران باسيل على القائمة السوداء لمن يجلسون في الشوارع والمطالبين بالتغيير، وهذا الحال ينطبق على كل الأحزاب بلا استثناء.

هل يمكن لانتفاضة أكتوبر أن تحقق أهدافها في لبنان؟

تشير تقديرات اقتصادية إلى أن عشرات المليارات (دولار) أهدرت في لبنان منذ بداية التسعينيات، وتتردد شائعات وكلام كثير عن مئات المليارات بمصارف خارجية يملكها زعماء الطوائف اللبنانية، في حين تتراجع الخدمات العامة وتقترب الدولة من الإفلاس الاقتصادي.

أسئلة كثيرة برسم الإجابة، أولها هل يمكن أن تغير الانتفاضة قواعد المحاصصة الطائفية، وهل سيصوت الناس خارج مظلة الانتماء الطائفي؟

ومن الأسئلة الهامة هل يملك المنتفضون مشروعا سياسيا بديلا للبنان، وهو توجد قيادات سياسية مؤهلة لتخوض معركة التغيير، وهل يملك لبنان أدوات لملاحقة الفاسدين الذين تحميهم مليشيات مسلحة، والكشف وإعادة الأموال المنهوبة، ورفع السرية المصرفية؟

مع الثورة هل ما زالت الأحلام ممكنة بعد أن أحكمت سلطة الطوائف قبضتها على لبنان ومصّت دمه؟

♦♦♦

رغم ما يقارب 240 شهيدا قدمتها انتفاضة العراق حتى لحظة كتابة هذه السطور، فإنها لا تأخذ مساحة كافية في وسائل الإعلام، ولا يرفع العالم صوتا موحدا لإجبار الحكم في العراق على حماية المحتجين السلميين.

تستحق انتفاضة العراق، التي اندلعت موجتها الأولى في بداية أكتوبر، وعادت من جديد لترسخ صوتا موحدا للعراقيين داعية ما أسمتهم "حرامية السلطة" لمغادرة الحكم، متابعة أكبر.

وعلى وقع الهتافات "من بغداد للبصرة... لا مدارس لا دوام حتى يسقط النظام. وما نسكت... نسكت ليش... اليوم الحق يرد لنا". يريد الناس بالشارع إسقاط زعماء الطوائف والحروب الذين تقاسموا العراق منذ سقوط نظام صدام حسين.

حين زرت العراق قبل أكثر من عام لم يتردد صديقي الإعلامي من القول لي "العراق دولة غنية لا يتمتع شعبها بثرواتها بعد أن نُهبت وصُنفت من أكثر دول العالم فسادا"، ويتابع أن خبيرا اقتصاديا أبلغه "أن الأموال التي سُرقت وأهدرت منذ سقوط نظام البعث كانت تكفي لتعبيد العراق بالذهب"، وللدلالة على فشل الحكومات المتعاقبة فإنه رغم "كل ما أنفق من مليارات الدولارات لم تحل مشكلة الكهرباء في العراق".

سقط "الديكتاتور" صدام حسين كما كان يراه العالم وجاءت "الديمقراطية الجديدة" إلى العراق بلباس طائفي ولم تخرج حتى الآن، وأكثر ما فعله صندوق الانتخابات الذي كان غائبا عن العراق لعقود أن أعاد إنتاج وترسيخ الهويات الفرعية، وصنع مرجعيات دينية وقيادات سياسية تحيطها هالة من القدسية، ولكنها لا تقل "ديكتاتورية"، والشاهد على ذلك أنها ترى الآن متظاهرين سلميين يُقتلون بالرصاص ولا تفعل شيئا.

نفس المطالب في لبنان تُسمع في العراق، فالمطالبة بتغيير النهج ورحيل النظام السياسي بقياداته صوت موحد للناس، ولكن حتى الآن فإن رئيس الحكومة عادل عبد المهدي لم يستقل رغم مطالبة زعيم الأغلبية البرلمانية مقتدى الصدر أن يفعل ذلك.

ظلال الهيمنة الإيرانية في لبنان تتجلى في العراق أيضا عبر أذرع سياسية متعددة عنوانها الأبرز اليوم الحشد الشعبي، وواجهته السياسية في البرلمان "تحالف الفتح"، ولهذا تسمع في ساحة التحرير هتافات تقول "إيران بره بره وبغداد تبقى حرة".


الديكتاتورية الدينية ليست أفضل حالا من الديكتاتورية العسكرية

أظهرت الانتفاضة العراقية تحديا غير مسبوق، وقدمت تضحيات لا مثيل لها عمدتها بالدم والضحايا، وحتى الآن فإن القادة السياسيين يتحركون بدم بارد رغم الدماء التي سالت واستبيحت بالشوارع، ولا يوجد ما يؤشر إلى حلول قريبة في الأفق تلبي ولو بعض مطالب المحتجين الذين يواجهون بصدورهم رصاص القناصة.؟

هل إن المجتمع الدولي متواطئا ويغض النظر عما يحدث في العراق، ولا يريد مفاجآت وتقلبات في إقليم ملتهب وعلى الحدود مع إيران والسعودية؟

صمت الشعب العراقي أكثر من 15 عاما على قيادات سياسية طائفية تناوبت على إدارة العراق وتبديد ثرواته، صبر العراقيون بانتظار الفرج، ولم يطالبوا إلا بأساسيات الحياة، كهرباء في بيوتهم، ومياه نظيفة، وخدمات تعليم لائقة، وصحة معقولة، وهذا ما لم يجدوه حينما كان يشاهدون أحياء تتحول لقصور وإقامات فارهة للزعماء، وتحيطها السواتر الإسمنتية، وتحميها الميليشيات العسكرية، وتتحصن في "منطقة خضراء"، وبينما يعيش العراقيون في الفقر وضنك الحياة.

أسقطت موجة الربيع في العراق ولبنان أقنعة الحكم، ورسخت وجها جديدا لثورة ديمقراطية اجتماعية، أبرز عنوان لها أن حكم الطوائف لا يبني وطنا، وأن الديكتاتورية الدينية ليست أفضل حالا من الديكتاتورية العسكرية، وأن العدالة لن تتحقق يوما ما لم يكن هناك مساءلة لمن يحكمون، وأن سلطة الشعب فوق الجميع.


*مقال للكاتب في موقع تلفزيون الحرة


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك