خواطر صحفي على خط النار

أن تتواجد في مناطق مواجهات، فهذا يعني بامتياز أنك كنت أحد الشهود على ماحدث.. ويعني أنك شاركت فيه أيضا وقد يحوي هذا على إصابة لك أو فقد عزيز عليك..

هذا يعني أكثر من مجرد مطاردة وحزن وفرح ونشوة وألم ونزوح وأشلاء مقطعة وموت يتخطف الأبرياء هنا و هناك؛ أن تكون قريباً من الموت أن تتخلى عن أحلامك الوردية وتعيش في مأساة تجددها مأساة يعني أن تعرف ماذا يعني النزوح حقيقة لا مجازاً!

أن تبكي يوما لسماع قصة يحكيها مواطن فقد أسرته وطفلاً تركته أسرته في مناطق الشرعية وفرت من الموت باتجاه مناطق تحت سيطرة الحوثيين.. أن يفقد ذلك الطفل قدميه بلغم ليصبح قعيداً لا أهل ولا وطن ولا ونيس..

يتجدد الوجع وأنت تسمع هذه الحكايات.

أربعة أعوام تشرد وقرب من الحرب والموت، تبدو كفيلة كي تتجرع آلام لا حصر لها وتسمع صوت والدك يبكي بدون مقدمات ما إن يسمع صوتك فتأخذ أمك الهاتف فتبكي وتبكي أنت وينقطع الاتصال.

تبدو لحظات الهروب من هذه المواقف صعبة، فلا فيروز تطربك ولا أبو بكر ولا كل ملوك الطرب يسرون عنك جزءً من حزنك، يصبح السهر على البحر ومناجاة القمر والنجوم ترفاً لا تقوى النفس على إطالته؛ يفيض قلبك وينخلع وأنت تسمع صوتاً ينادي "بابا" وأنت على مقربة من الموت تسأل نفسك هل سأعود؟ وهل سأسمع هذا النداء مجدداً أم أني سأغدو رقماً يضاف إلى الحصيلة اليومية لضحايا الصراع على نشرات الأخبار؟

تشتاق وفي الأشواق تحلق ذكرى رفاق خطفهم الموت وبرحيلهم تعرضت للكسر الذي لا تجبره الأيام.

تتحرر المناطق فيبلغ بك الفرح مبلغا عظيما وتندفع بأقصى ما تستطيع للبحث عن رفاة قريب كان لك صديقاً، وأخاً، وونيس غربة،...،.... وبعد أن تستهلك طاقتك وتتلاشى نشوة النصر تدرك أنك كمن يحاول استخراج قطرة ماء وقعت على رمال الصحراء.

تغادرك نشوة الفرح لتتركك في خواء وجمود تام.. وعبثاً تحاول استعادة أحلامك الجميلة علها تمدك بأمل وطاقة لمواصلة طريقك فلا يسفر بحثك إلا عن نفس محطمة بين ركام الأحلام.

أن تكون في منطقة حرب.. أن ترتعش بالبكاء كطفل فقد أمه، وأنت ترى الأطفال والنساء الكبار والمعاقين يفرون من الموت.

أن تكون في منطقة حرب يعني أن تعرف كيف تتقاذف الأمواج أشلاء ضحايا الألغام الباحثين عن النجاة بحراً.

أن تكون نازحاً للعام الخامس أن تنسى ملامح أخوتك الصغار، فيبدون لك في صورة على "الواتس أب" وقد أصبحوا رجالاً، أن تفتش في ذاكرتك عن كبار السن في قريتك و الذي لا يحلو وقتك إلا بسماع حكاياتهم ومغامرتهم ومعاناتهم.. جميعهم رحلوا في لحظة كنت فيها تخضع لعملية تخدير مزمنة.

أن تكون مفارقاً للديار وللأهل والأصدقاء قريباً من الموت.. أن يغزوا الشيب رأسك بينما أنت لاتزال شاباً عشرينيا ً

أن تتلاشى ألوان الأشياء و يصطبغ العالم من حولك بلون واحد شديد القتامة، وأن لا تبذر الأرض إلا بالقذائف ولا تنبت إلا الدخان..

تنعدم الرغبات وتفقد الأحلام بريقها وتنعدم رغبتك في الحياة ككل.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك