"فبراير".. أكبر من سلمية وأرقى من مدنية

 "عدم حمل السلاح" كان الشرط الوحيد لدخول ساحات الحرية والتغيير في تعز وصنعاء وبقية مدن الجمهورية اليمنية، كان بإمكان أي شخص، في أي وقت، الدخول إلى/ أو البقاء في، ساحات الثورة، ما لم يكن بحوزته سلاح، ولم يحدث أن سئل أي أحد رغب بالذهاب إليها، عن هويته؛ الحزبية أو القبلية أو الاجتماعية، كان يمكنك كمشارك في ثورة فبراير أو منظِم فيها أو منظَم لها، أو حتى معاديا، التواجد داخل ساحاتها، طالما لم تكن حاملاً للسلاح.

 كان قرار منع ثوار فبراير لحمل السلاح في الساحات، ليس لأنه أداة تعبر عن موروث شعبي لدى أغلب اليمنيين، بل لكونه؛ في جزء منه، يمثل رمزا للعنف المسلح الذي يستخدمه النظام الحاكم، لفرض وجوده العائلي على إرداة شعب بكامله، ولأنه في جزء آخر منه، وسيلة للجماعات غير الديمقراطية، تستخدم للوصول إلى السلطة، أو لفرض الأفكار على المواطنين بقوة القهر.

 الملفت للنظر أن منع السلاح لم يقتصر على الناس الذين يدخلون للساحات، بل حتى على أفراد لجان التنظيم وأمن الساحات، لم يكن مسموحاً للمكلّفين بتنظيم الدخول والخروج حمل السلاح، بمعنى أن المكلف بحماية الساحة والمواطن المنظَم أو الزائر، يستويان في تنفيذ قرار "عدم حمل السلاح"، وهذا ما جعل من هذا "المنع الثوري" ميدانا خصبا لترسيخ فكرة "المساواة" في الوعي الجمعي اليمني، والتي تتمثل هنا في عدم استخدام العنف من الحاكم والمحكوم، من المسؤول والمدني.

 لقد مثلت ساحات الثورة؛ التي انطلقت في (11 فبراير 2011)، مكانا يوميا للتدريب، ليس فقط على سلمية الثورة، بل أيضا على المساواة في عدم استخدام العنف بين من يَِحكُم ومن يُحكَم، في رسالة مدنية للتمييز بين عنفين، مشروع وغير مشروع، حيث لا مجال لشرعية استخدام "العنف غير المشروع"، من الدولة أو الشعب، بينما يجب أن يظل "العنف المشروع" محتكراً بيد سلطات محددة في الدولة.

 بشكل ما، كانت ساحات فبراير، تجربة حية للتمييز بين الدولة والحكومة المدنية، والتي نظّر لها فلاسفة أوروبا، حيث المدنية فكرة سلمية، سياسية مرتبطة بالحكومة التنفيذية ومؤسساتها، واجتماعية متعلقة بالشعب وكياناته، وحيث استخدام العنف المشروع صيغة محتكرة بالدولة، التي لا يحق لها بأي حال استخدام العنف غير المشروع؛ أي غير المقنن.

لقد أذهلت ساحات فبراير الكثير من الباحثين العرب والغربيين، وهم يرقبون جماهير يمنية، مسلحة بطبيعتها، وهي تترك السلاح طواعية أمام بوابات ساحات ثورية صنعها شبابها، حتى تساءل بعضهم: كيف استطاع شعب يملك أدوات العنف، أن يتقبل فكرة قتل شبابه وسجن أبنائه ومطاردة ثواره، دون أن يستخدم سلاحه؟ كيف رفض الدفاع عن نفسه وهو يملك خيار الرد؟.

 لقد تولدت في الساحات فكرة عجزت شعوب غير مسلحة في التعايش معها، فكرة القناعة بترك العنف واللجوء لثقافة اللاعنف، لحل الصراعات السياسية، كانت هناك قناعة لدى اليمنيين بإعطاء أنفسهم فرصة طويلة المدى، لإثبات أنهم جديرون بممارسة المعارضة السلمية ضد النظام القهري، والتظاهرة الشعبية ضد الحكومة الفاسدة، والنضال السلمي لإسقاط النظام العائلي.

لقد مثلت الساحات دليلاً عملياً على أن المجتمع اليمني مدني بالفطرة، ولمدنيته هذه جذور تاريخية تعود إلى ما قبل ميلاد الكتابة، جعلته تلك الجذور يقيم حضارات قديمة سابقة حتى للأديان، ولقد حاول الشعب اليمني في (2011) أن يؤسس بتلك الجذور المدنية التاريخية، حاضرا مدنيا مبنيا على علاقة جديدة بين الدولة والشعب، قائمة على أن السلطة ملك الشعب، ومن حقه تعديل مسارها عندما تستخدم العنف لصالح عائلة أو حزب أو فرد.

 ما حدث بعد ذلك، أن القوى المحلية؛ النظام المستبد والجهات المستفيدة من وجوده، تحالفت مع القوى الإقليمية، لمواجهة الأفكار الحديثة والمدنية التي رسختها ساحات ثورة فبراير في وجدان الناس وسلوكهم، وعمل هذا التحالف المحلي الإقليمي؛ بتشجيع دولي، على سحب اليمن من داخل تلك الساحات المدنية إلى مربعات عنف جديدة على اليمنيين وتاريخهم، فلم تعد هناك سلطة قمعية ليواجه الناس عنفها الدموي بسلميتهم، بل مليشيات محتلة لمؤسسات السلطة، لا يمكن معها سوى استخدام العنف المضاد.

 لقد وجد اليمنيون أنفسهم فجأة في مواجهة مليشيات متمردة على ثورتهم ومنقلبة ضد اتفاقهم على دولة حديثة وفق مخرجات الحوار الوطني، ولأنه لم يعد متاحاً مواجهة عنف المليشيا بالطرق السلمية، فلم يكن هناك من خيار سوى استخدام العنف، وذلك ما كانت تريده القوى المحلية والإقليمية المتآمرة على ثورة فبراير، لكن اليمنيين نجحوا في تأطير "عنفهم المقاوم" لعنف المليشيا، داخل المعايير المسموح بها دوليا، والتي لا تتعارض مع قيم ثورتهم.

التراكم المدني الذي خلقته ثورة فبراير في نفوس وعقول أغلب اليمنين، جعلتهم يؤطرون عنفهم داخل قيم الجمهورية وليس خارجها، فلقد انطلقت المقاومة الشعبية ضد مليشيا الحوثي تحت عنوان الدفاع عن الدولة وحماية شرعيتها، وتحولت تلك المقاومة فيما بعد إلى ألوية عسكرية تعمل في إطار كيان الشرعية المعترف بها محليا ودوليا، ورفضت الانجرار نحو الصراع الطائفي أو الأهلي.

 وخلال السنوات الماضية، حاولت القوى الإقليمية بتواطؤ من القوى الدولية على إنشاء مليشيات مضادة للجيش الشرعي، وحرصت على عدم تسليحه بشكل مكتمل، وكلمة السر من عقدة تلك القوى؛ السعودية والإماراتية تحديداً، من الجيش المعترف بالشرعية، هي قيم الدولة والمدنية، التي رسختها ثورة فبراير في وجدان أغلب من ينتمي لهذا الجيش، ومع ذلك فإن كل هذه المؤامرات الرامية لمنع وصول اليمنيين لدولة جمهورية ذات سيادة، لن يكتب لها النجاح، طالما ظلت قيم فبراير، ساكنة في وجدان اليمنيين، وراسخة في عقولهم.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


آخر الاضافات



صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية