موجب "اللاإستقرار" والثورة!

قد يبدو أنني أتحدث عن الوجه الأصعب من معادلة الواقع المأزوم، هذا في مابعد ثورات الربيع العربي أو يبدو لمن يقرأ عنوان المقال أنني أبالغ حين الحديث عن "اللااستقرار" باعتباره حالة موجبة، هذا وجه وهو وجه غائب ولم يتبدى سوى لقليلين أو بالأحرى تبدى لغير المتعجلين خصوصًا في الساحة الفكرية أكثر منه في الساحة السياسية، الوجه الآخر وبما أنني بصدد قراءة الواقع من الوجهين أو من الشقين هو الحالة النقيضة، وأي مقياس أو حديث يبقى في سياق ضوابط الراهن السياسي التي جاءت ثورة 11 فبراير لتفكيكه، هذا التسلسل الزمني غير البطيء منذُ 2011 وحتى 2020 أي بعد مضي تسع سنوات على الثورة يجعلنا نقف أمام أنواع كثيرة من الفرص إلى جانب العديد من المخاطر في معادلة اللااستقرار هذه، ولكن هل في "اللااستقرار"  فرص؟ 


بعد قيام الثورة وأثناء استمرار مطالبات ثوار فبراير السلمية بتنحي علي عبدالله صالح من السلطة رسميًا، ظهرت حجة سياسية ضمن لعبة الاحتفاظ بالسلطة في وجه ثنائي  "إما الرئيس ... أو تقرح كل الرؤوس "، وبالفعل ابتدأ تبرير هذا السلوك الفوضوي يأخذ مداه الأبعد من التقتيل ورُددت شعارات مضادة مقابل الثورة الشبابية وكأنها هي البديل، أيضًا بدت صورة الرئيس في ذلك الحين وكأنه المخلص الوحيد للوطن، هذا الإلحاح والمطالبة بالبقاء من قبل رأس السلطة أدى إلى إبقاء استمرارية الفعل الثوري الرافض لنظام التوريث مدة أطول، نعم، بل كيف يمكننا فهم حالة اللااستقرار السياسي أثناء حكم علي عبدالله صالح في ظل وجود فائض أسلحة تفوق قطعها عدد رؤوس الخلق وأيديهم وأرجلهم! هذا يبدو صعباً جدًا وصادماً لأولئك الذين يتباكون على نظام صالح محتجين بحالة الإستقرار الوهمية في تلك المرحلة.


موسيقى حزينة بدأت تخيم على المشهد اليمني بعد ثورة فبراير اقتضت وضع جدول مقارنة بين نظام الثورة ومابعدها، ومباشرةً بدأ تحميل نتائج مآلات التحولات في الراهن اليمني بما فيها المشهد الحروبي الدموي ثورة فبراير دون غيرها، مثّل هذا الفرز الدعائي تأويل الواقع وتفسيره كنتيجة سببية ينتهون إليها ولا يستمرون أكثر في تفككيها بكل أمانة تاريخية، هذا الطرح كان يحلم أكثر برسم الصورة بمغالطة تاريخية خصوصًا وأنه طُرح من قبل مَن عَدوا أنفسهم أنصارًا للنظام السابق، والصورة هي: أن في عهد نظام علي صالح كانت الدولة حاضرة والأوضاع مستقرة والأمن هو الأساس الفعلي في عمق الوطن شمالاً وجنوبًا وأن مابعد الثورة هو عكس ذلك تمامًا. 


هناك مواطنون كُثر يمكن أن نطلق عليهم "المستقرون" قياسًا بعهد صالح، هؤلاء ينقسمون من أنصار النظام المستفيدين منه والذين تم شراؤهم عن طريق ولاءات قصوى لرأس السلطة الذي بدأ يُحيط نفسه بعدد لابأس به من المطبلين الذين لا يرون الحرية سوى في استقرارهم فقط وفي هيكل الدولة والأمن الذي هم أساس تكوينه وبعيدًا عن الشعب، كذلك انبثق "المستقرون" من جسم الشعب ذاته الذين ألفوا العبودية في ظل حكام دكتاتوريين، فضل هؤلاء وجود الحاكم والخبز كحدٍ أعلى للإستقرار على عدم وجود الحرية الأساسية والحقيقية في حياتهم اليومية، هؤلاء الصنف وجدوا أنفسهم لحظة مابعد ثورة فبراير أمام هزات يومية، الأولون منهم سقط رأس زعيمهم فبدوا أضعف وأقل ثراءً من قبل فقاموا بهجاء الثورة التي لم يستفيدوا منها كما استفادوا من النظام السابق ، والآخرون مثلت حرية الآخرين ودماؤهم إحراجاً حقيقياً لعبوديتهم المتخمة المستقرة، في الساحات كان هنالك من يضحي بنفسه من أجل حرية الآخرين حتى، إن "اللا " استقرار فضح عددًا من أصحاب الكروش المنتفخة وعددًا آخر من المواطنيين العبوديين الذين يحنون إلى حكم أستفادوا منه كثيرًا أو استقرت فيه عبوديتهم.. هذا النوع من المواطنين لا يمكن إقناعهم بسهولة بمبادئ جاءت بها الثورة، إنهم ينكرون لأنفسهم حق الحياة بكرامة وحرية.


على مدى هذه الفترة لم يتم الاعتراف خصوصًا من قبل الثوار بمرحلة صالح كمرحلة رخاء أو خلاص لأزمة غالبًا ما يتم ربطها بصالح نفسه، غدت المابعديات في نظر مواطنين نتيجة صعبة جدًا، "اللا " استقرار كان صبغتها الأساسية ، وفي أي حالة حربٍ يحضر السلام كفرض حل من واقع الحرب ذاتها، كما أنه في حالة " اللا " استقرار تحضر الفرص الحقيقية للإستقرار في تصحيح الأوضاع السياسية أكثر من أي وقتٍ مضى، تعميق الديمقراطية وتأسيس العدل في الحكم والمصالحة بين السلطة والشعب من أهم المرتكزات والمقومات لثبات الإستقرار السياسي وتفعيله، فهل كان ذلك حاضرًا في عهد الرئيس السابق علي عبدالله صالح؟! 


في هذه الحالة الخطيرة "الموجبة" جزئيًا، ظهر ما يشبه الإصطفاف الثوري "مع" أو "ضد" الثورة، ولقد سلطت الأضواء على مخابىء حاقدين وثوريين متراجعين عن مبادئ الثورة نفسها، هذا الثوري المتراجع مثالٌ حي للإنتهازي الذي  ماتت يقينيات الانتصار الثورية في قلبه، في المرحلة ذاتها أيضًا ومع ما يحيطها من عقبات تشكل الرفض الثوري بأكثر من صيغة وليس كما عهدناه في 2011م، هذه الحالة الموجبة لم يلتفت لها أحد، بل إنها أنتجت فهماً ووعياً خاصاً ليس بالثورة بل بمستقبلها، إذ أن الكثير أصبح يرى أن هنالك ديناميكية مستمرة ومسؤولية تاريخية خلال هذا الزمن الممتد من بداية الثورة وحتى الآن، ووجب أن نشيد بالثقافة المعارضة التي نشأت خارج نظام وصفَ بأنه "مستقر".


إذًا لقد أصبح من الصعب جدًا أن نطلق على فترة الرئيس السابق بالفترة المستقرة ، وإن كان ذلك يبدو ثابتًا للبعض ولايمكن إزاحته، فإن حالة "اللااستقرار" هذه معنية بخلخلة استقرار النظام السابق الذي اختلقه لنفسه لأجل أن يظل فترة طويلة في الحكم، استقرار من حيث الشكل لا المضمون، استقرار سلطوي يقتضي بقاء السلطة على رأس الشعب ، وفوق هذا كله استقرار الرئيس وأبنائه في جسم الدولة عبر نظام التوريث، للااستقرار هذه نضالها الحقيقي في رسم ضوابط المستقبل السياسي القادم وهي الآن تواجه ما تم فرضه زهاء ثلاثة عقود من أزمات سياسية وعسكرية. 


إن تطور الوعي المجتمعي يوافق أساسيًا وجود المواطن "غير المستقر" فيه وليس العكس، غير المستقر كما فهمنا هذا المصطلح في الراهن المأزوم الذي لا يقرأ من وجه واحد، هذا المواطن بالدرجة الأولى يكفل تعميق مبادئ كثيرة من بينها الحرية لدى المجتمع، هو حر إذ هو غير مستقر، حرٌ تمامًا كرفضه للإستقرار المفروض من قبل الحاكم السلطوي وليس من وحي السياسة التي حين تفضي إلى الدمج المجتمعي والوطني وتفعيل العدالة والديمقراطية وحق المشاركة وإبداء الرأي فإنها تكون بذلك قد أرست معنى الإستقرار الحقيقي دون أية مغالطة مُسيسة وتكون بذلك قد أثبتت أمام المواطن معنىًٍ سياسياً مناقضاً لما تم فرضه من سياسات تلاعبت بمناخ الأزمة السياسية اليمنية وشاء الكثير من رموز النظام السابق أن تبقى هذه السمة الأدنى الوهمية إحدى أهم الذكريات العريضة في رؤوس الرعاع حين يتم إزالتهم. 


هذا الإنتقاد العنيف لثورة فبراير سيجعلنا أيضًا أمام انتقاد آخر لثورة سبتمبر، وهو أنها لم تستطع القضاء على الإمامة كثورة لتغيير جذري شامل.. الإمامة الذين هم بصيغتهم الجديدة الآن "حوثيين"، فثورة فبراير الآن تكمل ما لم تقم بها ثورة سبتمبر الأم بأدوات وضوابط الراهن.
أخيرًا على المثقف أو المفكر أو السياسي في حالة "اللا استقرار" هذه كي يكون أبعد معرفة، فعليه ألا يطيل النظر إلى أسفل قدميه ولكن عليه توقع هل يمكن لأصابع الأقدام أن تصفق ذات يوم!


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك