ليتوقف البعض عن الرغي

يصبح المهزوم في المعارك الكبرى موضوعا للتندر رغماً عن وجاهة حججه، لا ينصفه أحد، يهيلون التراب على كل صوت يرتفع دفاعاً عن موقف تاريخي يفضح المنتصر.

كلما حضر ٢٢مايو تحضر معه الأراجيف التي تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويتنطع أصحاب الأصوات العالية باذلين كل جهد لتمريغ الوقائع التاريخية في تراب النفاق.. ويواصلون تفريغ التاريخ من شحناته ليلقوا به جثة هامدة أمام سماسرة التسلط والهيمنة.

في هذا السياق يتحدث البعض هذه الأيام بسخرية عن قيادة الجنوب التي وقعت على الوحدة، فيُنسب سبب فشل الوحدة السلمية إلى أن الاتفاقية التي وقعت بين الدولتن كانت من صفحتين فقط ولم تشمل قضايا جوهرية كان يفترض أن تشملها!!

وعندما تسأل بعضهم عن طبيعة هذه "القضايا الجوهرية" يرد بأن طبيعة الدولة التي كان يجب أن تقوم وكذا نظامها ومحتواها أغفلتها الاتفاقية.

الحقيقة أن هذا التفسير مردود عليه من الوقائع التاريخية التي رافقت الوحدة، وهي أن الاتفاقية لم تكن الوثيقة الوحيدة التي انتظمت الوحدة في إطارها، وإنما كان هناك الدستور المتفق عليه، والقوانين التي تم الاتفاق على إنجازها خلال الفترة الانتقالية التي حددت بسنة ( نوفمبر ١٩٨٩/ نوفمبر ١٩٩٠) والتي تم اختصارها فيما بعد إلى ستة أشهر بدون أي تفسير مقنع، وأنجز خلالها أكثر من ١٧١ قانوناً شملت مختلف مناحي الحياة المنظمة للجوانب الإدارية والاقتصادية والأمنية والعسكرية والحياة العامة.

ما يعني أن الوحدة قامت وهناك دستور وأكثر من ١٧١ قانون متفق عليها شكلت بمجملها الوثائق الأساسية لإقامة الدولة.

تكمن المشكلة في مقاومة إقامة دولة الوحدة!!

البحث عن أسباب الفشل يجب أن ينصب على العوامل الحقيقية التي تضافرت لتعرقل بناء دولة الوحدة.

إن اختزال المسألة على هذا النحو الذي يجعل "الاتفاقية" سبباً في فشل الوحدة السلمية إنما هو تبرئة للعوامل الحقيقية التي قادت إلى ذلك.

حدث بهذا المستوى لا يجب أن يتم التعامل معه بهذه الخفة، وإنما يجب البحث في عمق وجوهر الأسباب الكامنة أساساً في وعي اجتماعي وسياسي متنفذ تعامل مع الوحدة على أن طرفاً هرب إليها، وآخر كان مضيفاً وتصرف من موقع أن هذا الهارب يجب أن يقبل بشروط الضيافة.

من هذا السبب تناسلت الأسباب والتداعيات والحروب ومن ثم السقوط..

ليتوقف هؤلاء عن الرغي، وينظروا كيف أن المنطق الذي دسه المتنفذون في قلب العملية التاريخية قد قلب المعادلة كلها رأساً على عقب لينتهي الوضع إلى ما انتهى إليه.

الارتقاء بالوعي إلى مستوى الأحداث الكبيرة عملية معقدة ونضالية وتشاركية، وهي ضرورية لنجاح هذه الأحداث في الواقع العملي.



*من صفحة الكاتب على فيسبوك


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك