فيروس كورونا: كيف تتخلص من التوتر الناجم عن أزمة كوفيد-19؟

فيروس كورونا: كيف تتخلص من التوتر الناجم عن أزمة كوفيد-19؟

في الأسبوع الماضي، أجلت صديقتان مقربتان حفلي زفاف مقررين رسميا إلى وقت لاحق من العام. وقد كتبت إحداهما في رسالة نصية لي ولوصيفات الشرف الأخريات: "أعلم أن هذه رسالة تأخرت، لكنني كنت أشعر بالتوتر في كل مرة أكون فيها بصدد الضغط على زر الإرسال". ثم أرسلت نسخة رقمية عن “تغير الموعد"، بديلا لبطاقة الدعوة لحفل الزفاف التي سبق أن علقتها على باب ثلاجتي.

في النصف الأول من العام، جعلت حالة عدم اليقين بشأن انتشار الوباء من المستحيل تقريبا التنبؤ بما إذا كان أي شيء سيحدث كما تصورنا. وتقول شيفاون نيوبرت، أستاذة علم النفس في جامعة ولاية نورث كارولينا: "أعتقد أننا جميعا مدركون تماما أن السيطرة التي اعتقدنا أننا نتمتع بها ربما تكون أكثر هشاشة مما كنا نعتقد".

بيد أن وضع المستقبل في قالب انتظار وترقب بشكل دائم أمر صعب على الصحة العقلية. فقد أظهرت الدراسات روابط قوية بين المستقبل غير الواضح والقلق، وقد ثبت أن عدم تحمل حالة الشك وعدم اليقين يرتبط ارتباطا وثيقا بالاكتئاب.

لهذا السبب، ووفقا لدراسة حديثة شاركت في تأليفها نيوبرت: من المهم الاستمرار في وضع الخطط حتى لو تبين أنها عقيمة. والقيام بذلك يمكن أن يساعدك على البقاء في عقلية إيجابية ويمنعك من التعرض للضغط النفسي.

وتقول نيوبرت إنه قبل كل شيء، فإن التخطيط جزء من طبيعتنا، فنحن "كبشر قادرون بشكل فريد على التفكير في المستقبل، ونحن النوع الوحيد الذي يستهلك الكثير من طاقته الذهنية للتخطيط للمستقبل".

يُمكن أن تساعد جدولة الأشياء في منع التوتر قبل حدوثه من خلال عملية معرفية تسمى "التكيف الاستباقي". وتقول البروفيسور نيوبرت: "إنه يحتوي على مكونات سلوكية ومكونات ذهنية تتعلق بالتفكير، والمثال السلوكي يشبه إنشاء صندوق تمويل للطوارئ، أما المكون المتعلق بالتفكير فيه فيتمثل في وضع الخطط".

وفي دراستها، تابعت نيوبرت أكثر من 200 مشارك على مدى تسعة أيام، مراقبةً الطريقة التي يتعاملون بها في مواجهة الضغوط اليومية. وقد كان أولئك الذين انخرطوا في عملية "التكيف الاستباقي"، (اي من كان تفكيرهم موجها نحو المستقبل، وكانوا يتوقعون ما سيحدث ووضعوا خططا لكيفية التعامل مع الصعوبات المحتملة)، أقل استجابة للتوتر.

لم يستمر العمل في الدراسة سوى أكثر من أسبوع بقليل، إلا إن نوبرت تقول إن مبادئ النتائج التي توصلت إليها يمكن أن تنطبق على فترات أطول بكثير من التوتر.

وتشرح قائلة: "يمكن أن يكون التخطيط شكلا قويا من التكيف الاستباقي"، فجدولة الأحداث المستقبلية هي إقرار بأنه سيكون هناك مستقبل، وأنه عندما تصل إليه ستتمكن من القيام بالأشياء التي تريد القيام بها.

وتقترح نيوبرت اختيار الأشياء "التي تشعر بها وكأنها تعيدك إلى نفسك". قد يعني هذا جدولة قص الشعر أو طلاء وتشذيب الأظافر (مانيكير)، على سبيل المثال، عبر اختيار يوم ما عشوائيا في الشهر أو كل شهرين، حتى إذا كنت غير متأكدة من أنك ستتمكنين من الحفاظ على الموعد. وتقول: "يمكن أن تكون هذه تجارب تخطيط شخصية للغاية: فالذهاب إلى صالون قص الشعر، أو حتى مجرد التخطيط للذهاب إلى الصالون، تمثل شيئا كثيرا من الاهتمام بالذات".

ويُمكنك حتى جني فوائد عقلية وعاطفية من دون وضع التواريخ والأوقات في التقويم الخاص بك، بل بدلا من ذلك، يُمكنك إنشاء قائمة بالأنشطة؛ من الأنشطة المعتادة إلى الأمور الأكثر اهمية التي تريد جدولتها عندما تصبح الأمور أكثر قابلية للتنبؤ بها. وتقول نيوبرت إن هذا يكفي "للإقرار بالأشياء التي تنوي القيام بها... فتوقع شيء جيد هو أمر قوي حقا"، إن وجود قائمة بالأشياء التي تلتزم بها، حتى لو كنت لا تعرف متى ستفعلها، هو في حد ذاته أمر مهدئ.

لماذا نكره النهايات السائبة؟

إن التخطيط يقدم لنا أكثر مما نتوقعه، إذ يمكن أن يساعد أيضا في تهدئة القلق عبر التعامل مع الفوضى المعرفية (عندما تتلقى معلومات كثيرة أكثر من قدرتك على تنظيمها واستيعابها). ويشير نموذج مقبول على نطاق واسع للمعالجة العقلية يسمى "نظرية العبء المعرفي"، صيغ لأول مرة في أواخر الستينيات من القرن الماضي، إلى أن الدماغ البشري قادر على معالجة كمية محدودة من المعلومات في أي وقت معين. وعندما تجعل حالة الشك وعدم اليقين من الصعب علينا إنجاز الأمور، يمكن أن ينتهي بنا الأمر إلى أن نحمل كل هذه الأشياء تلقائيا في أذهاننا. وتقول نيوبرت: "إن الأشياء التي لا يتم إنجازها أبدا تضيف إلى العبء أو الحمل المعرفي لدينا"، وفق هذه النظرية التي تقوم على مبدأ التنظيم المعرفي وتخزين المعلومات.

    وهنا يأتي دور ما يعرف باسم "تأثير زيغارنيك". (مفهوم في علم النفس يشير إلى أن الناس يتذكرون المهام غير المكتملة أو التي تمت مقاطعتها بشكل أفضل من المهام المكتملة). وترجع التسمية لعالمة نفس روسية كتبت لأول مرة عن التأثير في أواخر عشرينيات القرن العشرين، وهي تشير إلى ميلنا للتركيز على النهايات السائبة (الأشياء غير المكتملة)، وهو اتجاه تضخم الآن عندما يبدو أن لدينا الكثير من النهايات السائبة والأعمال غير المكتملة أكثر من تلك التي تيقنا منها.

    ويقول إي. جي ماسيكامبو، وهو أستاذ علم النفس المساعد في جامعة ويك فورست في نورث كارولينا درس كيف يمكن للتخطيط أن يخفف من تأثير زيغارنيك: "تميل الأهداف التي لم تتحقق إلى الاستمرار في عقول الناس، وعندما تطلب من الأشخاص أن يكتبوا جميع أهدافهم الحالية، فهناك 15 شيئا مختلفا يفكر فيها الأشخاص ويتابعونها في وقت معين، وثمة الكثير من الأشياء يحدث في اللاوعي".

    إن كل هذه الأفكار والأهداف التي لم يتم تحقيقها، (كل شيء بدءا من التخطيط لرحلة تسوق إلى التساؤل عما إذا كان حفل الزفاف الخاص بك سيحدث)، تُراكم على عبئنا أو حملنا المعرفي، ويمكن أن يتحول بسرعة إلى عبء ثقيل جدا مما يولد القلق ويتسبب في ظهور أفكار سلبية دخلية (وسواسية) لدينا، وفقًا لبحث ماسيكامبو بهذا الشأن.

    وهناك طريقتان أساسيتان لحل هذه المشكلة. ويقول ماسيكامبو: "يمكنك إنجاز الأمر فعليا، أو استخدام طريقة أخرى للاستجابة له وهي وضع خطة محددة لذلك". وقد وجد ماسيكامبو وزميله المشارك في البحث أن التخطيط لإنجاز هدف له نفس التأثير المهدئ على الأفكار الدخيلة (الوسواسية) مثل أنجازه بالفعل.

    وقد يكون من المفيد، ببساطة، تأجيل التعامل مع الموضوع. ويقول ماسيكامبو: "التأجيل فعال بشكل مدهش، إنه وعد لنفسك، بأنه لا يوجد شيء يمكنني القيام به حيال ذلك الآن، لذلك سأنتظر حتى 1 أغسطس/آب المقبل لأقلق بشأنه".

    ضع خطة، أي خطة

    ببساطة، حالة عدم اليقين مزعجة. وتظهر الدراسات أنها تجعلنا نشعر بالعجز، الأمر الذي يجهدنا. ولكن عندما تكون لدينا خطة، حتى لو كانت خطة غير مجدية قد لا تؤتي ثمارها، فإنها تساعد على تصفية عقولنا وتنظيم أفكارنا. وينطبق هذا بالتأكيد على "التخطيط لرهانات عالية" مثل حفل الزفاف، كما تقول نيوبرت. وتوضح قائلة: "بالنسبة لكثير من الناس، فإن حفل زفاف هو أكبر الأشياء التي يخططون لها وأكثرها تعقيدا على الإطلاق"، ولكن بغض النظر عن الزفاف فإن تصور جوانب أبسط للمستقبل يمكن أن يعطي تخفيف للتوتر ثمة حاجة ماسة إليه.

    وتقول نيوبرت: "قد يشعر بعض الأشخاص أنهم تحت ضغط شديد بحيث لا تكون لديهم القدرة على التفكير والتخطيط لثلاثة أشهر مقدما"، مضيفا "إذا استطعت، فحاول وضع خطة للغد، وإذا كان هذا الأمر شاقا، فاحرص على التخطيط للوقت اللاحق في اليوم نفسه. يشعر بعض الناس حقا بالانسحاق بفعل القلق والاكتئاب، فإذا تمكنوا من وضع خطة لتناول العشاء، فهذا إنجاز بالنسبة لهم يجب الاحتفال به".

    إنها نصيحة جيدة لك حتى لو لم تكن مُخططا في العادة؛ فضغوط الوضع الحالي غير مسبوقة، فإذا فشلت مسكنات التوتر الأخرى المجربة والحقيقية، فهذا أمر طبيعي. وتضيف نيوبرت قائلة: "ربما حان الوقت لتغيير طريقة تعاملك مع الأمور، فإذا لم تكن تخطط كثيرا، فربما عليك أن تحاول وضع بعض الخطط للمستقبل، حتى لو كانت ستتغير ثانية".

    وقد قامت صديقتي بإعادة جدولة حفل زفافها في تاريخ عطلة نهاية الأسبوع نفسها من العام المقبل، وقمنا جميعا بوضع علامة على تقاويمنا، مع الاعتراف بأن الكثير قد يحدث بين الحين والآخر. ربما سيعقد حفل زفافها عام 2021 كما تنوي أو ربما ستحتاج إلى التعديل مرة أخرى. وفي الوقت الحالي فإنها تشعر بالارتياح لأنه هناك خطة، على الأقل، وشيء نتطلع إليه.

    ويقول علم السعادة أنه يجب عليك الاستمرار في التخطيط للحفلات والرحلات والفعاليات التي تضفي البهجة على حياتنا، ولكن تأكد فقط من أن المبالغ التي تدفعها كمقدمات لحجز مثل هذه الفعاليات قابلة للاسترداد.


    شارك الخبر


    طباعة إرسال




    شارك برأيك